العشوائية طريقنا نحو الهاوية

Publié le par ET si ?

 

SAM 0299

 

 

حظ قليل، إمكانيات ضعيفة، ظروف قاسية، مساعدة مادية و معنوية منعدمة، محيط جاهل لا زال يحكمه عقله الغيبي ، حكومات تتخذ العشوائية منهجا في تسيير أمورها، كلها عوامل تساهم في استحالة الممكن بالنسبة لطبقات و شرائح اجتماعية معينة من بلدنا السائر في طريق التقدم. خديجة فتاة ليست ككل الفتيات في 'دوار ' ككل أو أغلب الدوواوير الأمازيغية جنوب المغرب، 'دوّار ' شبه منعزل عن العالم الخارجي، مجرد زيارة هذه المنطقة تجعل تفكيرك يسبح في بحر من التأملات في الذات البشرية و عجائب خلق الله، فتبتعد تمام البعد عن كل ما كان يشغل بالك من أوهام و مصائب العالم الخارجي . لا تتوفر هذه المنطقة سوى على مدرسة ابتدائية يقصدها أطفال من ست دواوير وتضم أربع معلمين، و قد تمّ بناء مستوصف صغير في هذا الدوار، لكن جميع الأطباء لا زالوا يرفضون الإستقرار في هذه المنطقة النائية المنعزلة تماما عن مقومات حياة القرن الواحد و العشرين بعد أن أتعبوا عقولهم في الدراسة لمدة سبع سنوات كأقل مدة. كما أن كل دوار في هذه المنطقة يتوفر على مسجده الخاص بصفة أن المجتمع الأمازيغي مجتمع جد محافظ و لا يمكن أن يوجد دوّار دون مرفقه الأساسي الذي هو المسجد. خديجة هي الفتاة الوحيدة وسط عشرات الفتيات التي وصلت لمستوى التعليم الثانوي، استطاعت أن تتحرر من قيود الإستعباد التي ربطت النساء لأجيال عديدة حيث كن يلزمن البيت لأداء واجبهن الذي خلقن لأجله؛ إحضار الماء و الحطب و جلب حشيش للحيوانات و الإعتناء بالأبناء و خدمة الرجل إلى آخر دقيقة من حياتهن دون ملل أو كلل، حتى سمعت إحداهن تقول' أن المرأة اللتي لا تكون أمَة لزوجها و لا تطيعه في كل صغيرة و كبيرة دون أن تمل أو تتذمر فمثواها النار، مثوى الظالمين' استطاع الرجال في هذا المجتمع المتشبت بجدور الإسلام أشد التشبت فرض سيطرتهم من خلال أحكام الشريعة التي جعلوها تلعب لصالحهم. لسوء حظ خديجة أنها كانت تعاني من إعاقة صغيرة في قدمها، مهدت لجعلها فتاة منبوذة غير صالحة للزواج و لا لتحمل أشغال البيت الشاقة، هذه الإعاقة فرضت على خديجة الإبتعاد قدر المستطاع عن محل سكناها، فهي ترى نظرات الآخرين لها، تعرف أن إعاقتها تشكل لهم إزعاجا أكثر مما تشكله الإعاقة بالنسبة لها، لم تبقى مستسلمة لقدرها، فهي تعرف بوجود حياة وراء هذه الجبال الوعرة، تعرف أن المرأة في هذه المنطقة تتعرض لأسوء أشكال الإستغلال. لهذا التحقت بمدرسة داخلية تبتعد أميالا عن قريتها، تحاول المثابرة بجد لمتابعة دراستها. خديجة تتمنى أن تصبح طبيبة يوما ما، لعل حلمها هذا يكون عاديا في بلد ما، لكن هنا فالممكن يصبح مستحيلا، أنا أرى في المدن الكبيرة تلاميذا يتنافسون للحصول على مقعد في هذه الكلية، الدراسة في أحسن المدارس الخصوصية، متابعة الدروس الليلية برفقة أساتذة أكفاء، كل الظروف تسمح لأبناء المدن الكبيرة لولوج كلية الطب و لا يزال البعض منهم فقط ينجح في تحقيق طموحه. فما بالك بمن يدرس بعيدا عن الأهل في الداخلية التي لا نعلم ظروفها، ما نعرفه هو أن أغلب طاقم المدرسة أُتي به من شمال المغرب ليدرّس في جنوب المغرب تلاميذا ذووا لسان أمازيغي يصعب على الأساتذة التواصل معهم. من خلال حديث خديجة عن إدارة المؤسسة تبين أنها لا تتفهم بالمرة مشاكل تلاميذ في وضعيات أعتبرها الأصعب. تأملت هذه الوضعية، طرحت السؤال على نفسي مرات عديدة، هل هؤلاء الطلبة سيكونون فعلا مؤهلين لولوج المدارس العليا التي يتنافس عليها تلاميذ المدن الكبرى من خلال دفع مبالغ طائلة للتعليم، فحتى التعليم الإبتدائي و الثانوي العمومي في المدن الكبرى لم يعد تعليما كفئا فما بالك بهته المناطق حيث يُأتى بالأستاذ مئات الكيلومترات بعيدا عن أسرته ليدرس تلاميذا يصعب عليه التواصل معهم ؟ هل ستكون مردودية هذا الأستاذ هي نفسها مردودية ذلك الذي يحيا حياة مستقرة براتب مضاعف من خلال الدروس النهارية و الدروس الليلية؟ هل من العدل أن يجتاز تلميذ من العالم القروي مع زميله من مدينة كبرى نفس مبارة الولوج لإحدى الكليات؟ هل تحقق الدولة مبدأ تكافؤ الفرص في هذا الصديد؟ و هل سيبقى محكوما على سكان العالم القروي أن يعيشوا مهمشين في هذه الدواوير، أم سيتوجب عليهم مغادرتها و الإلتحاق بالمدن الكبرى التي لم تعد قادرة على استيعاب كل هذا القدر من السكان؟ إلى متى ستبقى الدولة العشوائية تشتغل بدون مخطاطات على المستوى البعيد ؟و متى سيتم استغلال هاته الموارد البشرية التي ستخدم الدولة أولا، فإذا ما أصبحت خديجة طبيبة، فلا شك أنها ستكون أول المرحبين بقرار إرسالها لمستوصف 'الدوار ' و إذا ما أصبح سعيد أخوها معلما فإنه سيخدم أبناء منطقته أولا و سيشتغل فيها بصدر رحب ليأهل أبناء هذه المنطقة ويساهم مع خديجة و زملائهم في تطويرها و الحد من الهجرة نحو المدن الكبرى. 


Publié dans مغربي

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article