التجربة العربية نحو الحداثة

Publié le par mada-law

 8252

   

 

 

من الناحية الحقوقية، فإن احترام هوية و عقيدة و مرجعية الشعب هي حق من حقوقه و من الظلم حرمانه منها و أي مشروع نهضوي تغيب عنه تلك المرجعية قد يكون اعتداء ا عليه و على هويّته و ثقافته. و من الناحية العملية فلنجاح أي إصلاح يجب احترام شروط هويّاتيّة و ثقافية أساسية، وعند وضع برامج مصادمة للهوية و المبادئ و المعتقدات التي يؤمن بها الشعب تحدث الكثير من التوثرات الإجتماعية، و لعلّ هذا يتّضح جليا في المجتمع العربي، و قد انتهت مختلف الدراسات الإجتماعية إلى هذه الحقيقة و لعلّ التجربة العربية أبرز دليل على ذلك.
في أواخر القرن العشرين، و أوائل القرن الواحد و العشرين، أي بعد تعرض العالم العربي للعديد من الإنتكاسات و الأزمات الناتجة عن ضعفه دوليا، حاول العالم العربي تفسير هذا الضعف و التأخر في شتى الميادين سواء منها العسكرية أو الإقتصادية أو المالية أو السياسية، كل هذا مقابل تقدم الغرب و سيطرته على العالم و تقدّم مستوى العيش في العالم الرأسمالي الغربي. و بذلك حاول العالم العربي التحول بدوره لمجتمع حداثي فكان التقليد أول طريق سلكه نحو هذا التغيير، فظهر التيار الليبرالي العلماني  الداعي إلى إلغاء الهوية الثقافية و المرجعية الدينية فانطلق مشروعه النهضوي من خلال تحليل الواقع الغربي و محاولة ترسيخ ركائز الهوية الثقافية الغربية على مجتمع تتناقض معتقداته و ثقافته بشكل كلّي مع الثقافة الغربية، فاعتُبِرت المدرسة العلمانية نموذجا لحداثة تشوه التاريخ و تناقظ الهوية و تتخالف مع ديانة الشعب التي اعتنقها على مدى أكثر من 1400 سنة.
و عرف أول ظهور للتيار العلماني ظهور التيار السلفي الذي خالف الأول حيث اعتبر الدّين مرجعا له و الإقتداء بالسلف الصالح منهجه فانطلق من تحليل الواقع العربي و انطلقت مشاريعه النهضوية من مرجعية دينية تتلاءم و هويّة و ثقافة المجتمع العربي و بهذا فإن المدرسة السلفية لم تحرم الشعوب من حقوقها الهوياتية فكما ذكرنا سابقا أنه من حق الشعوب أن تُحتَرم هوياته و أي تطور يجب أن يراعيها، لكن المدرسة السلفية في تحليلها للواقع العربي حاولت نكران و عدم الإعتراف بالعالم الغربي معتبرة إياه شيطانا ماردا لا يمكن الوثوق به و حرَّمت بذلك كل ما يقوم به ، لكن الواقع يفرض علينا الاحتكاك بالغرب و التعايش معه في سلم و أمان فكانت تجربة التيار السلفي تجربة أخرى غير ناجحة

.
image--1-.jpg



 

و بذلك بقي العالم العربي مابين تيارين يريدان به الإصلاح و السير نحو الأمام : واحد يقوده نحو التقليد و  قطع العلاقات بالمخلفات التاريخية ،وآخر يربطه بالماضي و يحرّم عليه كل ما له علاقة بغرب اعتبر كافرا نجسا يحرّم الإقتراب منه.
فهل ينجح العالم العربي بعد قطعه لهذه العلاقات؟ أم أننا لن نصل إلى مطمحنا إلا بعد ربط العلاقات مع الماضي و الإقتداء بالسلف الصالح باعتباره منهجا موصلا لغاياتنا مع ربط العلاقات مع الآخر مهما اختلف عنّا باعتبار هذا من إرشادات ديننا، دين السلام و الإسلام الداعي للتعايش بسلم مع مختلف الطوائف؟
و هل نبقى هكذا معلقين بين تيارين متناقضين و يناقضان مرجعيتنا الإسلامية، فإنما الإسلام دين وسطية و اعتدال، لا انحراف ولا تشدّد؟

و هل لا تزال الحاجة قائمة إلى مشروع حداثي في عصر العولمة و ما بعد الحداثة؟
و هل يتسطيع العرب الولوج إلى العصر الجديد دون المرور بمرحلة الحداثة التي فشلوا في الوصول إليها؟

Publié dans سياسة

Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :

Commenter cet article